السيد هاشم البحراني
142
البرهان في تفسير القرآن
فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات ، وكفى بالموت واعظا ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كثيرا ما يوصي أصحابه بذكر الموت ، فيقول أكثروا ذكر الموت ، فإنه هادم اللذات ، حائل بينكم وبين الشهوات . يا عباد الله ، ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشد من الموت ، القبر ، فاحذروا ضيقه « 1 » وضنكه وظلمته وغربته ، إن القبر يقول كل يوم : أنا بيت الغربة ، أنا بيت التراب ، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدود والهوام . والقبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، إن العبد المؤمن إذا دفن قالت له الأرض : مرحبا وأهلا ، قد كنت ممن أحب أن يمشي على ظهري ، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك ، فيتسع له مد البصر ، وإن الكفار إذا دفن قالت له الأرض : لا مرحبا بك ولا أهلا ، لقد كنت ممن أبغض أن يمشي « 2 » على ظهري ، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك ، فتضمه حتى تلتقي أضلاعه . وإن المعيشة الضنك التي حذر الله منها عدوه : عذاب القبر ، إنه يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا ، فينهشن لحمه ويكسرن عظمه ، ويترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث ، لو أن تنينا منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعا أبدا . يا عباد الله ، إن أنفسكم الضعيفة وأجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير تضعف عن هذا ، فإن استطعتم أن تجزعوا لأجسادكم وأنفسكم مما لا طاقة لكم به ولا صبر لكم عليه ، فاعملوا بما أحب الله ، واتركوا ما كره الله . يا عباد الله ، إن بعد البعث ما هو أشد من القبر ، يوم يشيب فيه الصغير ، ويسكر منه الكبير ، ويسقط فيه الجنين ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت ، يوم عبوس قمطرير ، يوم كان شره مستطيرا ، إن فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم ، وترعد « 3 » منه السبع الشداد ، والجبال الأوتاد ، والأرض المهاد ، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية ، وتتغير فكأنها وردة كالدهان ، وتكون الجبال كثيبا « 4 » مهيلا بعد ما كانت صما صلابا ، وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن ، إن لم يغفر الله له ويرحمه « 5 » من ذلك اليوم ! لأنه يقضي ويصير إلى غيره ، إلى نار قعرها بعيد ، وحرها شديد ، وشرابها صديد ، وعذابها جديد ، ومقامعها حديد ، لا يفتر عذابها ، ولا يموت ساكنها ، دار ليس فيها رحمة ، ولا يسمع لأهلها دعوة . واعلموا - يا عباد الله - أن مع هذا رحمة الله التي لا تعجز عن العباد ، وجنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين ، لا يكون معها شر أبدا ، لذاتها لا تمل ، ومجتمعها لا يتفرق ، سكانها قد جاوروا الرحمن ، وقام بين أيديهم الغلمان بصحاف من الذهب ، فيها الفاكهة والريحان . ثم اعلم - يا محمد بن أبي بكر - أني قد وليتك » . وساق الحديث إلى آخره . وروى هذا الحديث المفيد في ( أماليه ) ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن حبيش الكاتب ، قال : أخبرني الحسن بن علي الزعفراني ، قال : أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ، قال : حدثنا علي بن محمد بن أبي سعيد ، عن فضيل بن الجعد ، عن أبي إسحاق الهمداني ، قال : لما ولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) محمد بن أبي بكر مصر وأعمالها ، كتب إليه كتابا ، وأمره أن يقرأه
--> ( 1 ) في المصدر : ضيهته . ( 2 ) في المصدر : من أبغض من يمشي . ( 3 ) في « س » والمصدر : وترغب . ( 4 ) في المصدر : سرابا . ( 5 ) في الغارات زيادة : واعلموا - عباد اللَّه - أن ما بعد ذلك اليوم أشدّ وأدهى على من لم يغفر اللَّه له .